في التاسع من أكتوبر 2024، استحضرت إسبانيا مرة أخرى أحد أبرز الأيام في تاريخها بإحياء يوم فالنسيا (Día de la Comunidad Valenciana)، وهو عيد يرمز إلى استعادة مدينة فالنسيا من الحكم الإسلامي على يد الملك خايمي الأول ملك أراغون في عام 1238. تعتبر هذه المناسبة محطة مهمة في ذاكرة الفالنسيين، حيث تعزز روح الفخر بالتاريخ وتعيد إحياء فترة مفصلية من مسار تطور المدينة والمنطقة بأكملها.
ومع الاعتزاز بالاستقلال التاريخي لفالنسيا، لا يمكن إغفال التأثير الإيجابي الذي تركته الحقبة الإسلامية على المنطقة. فالفترة الإسلامية في فالنسيا، والتي امتدت لأكثر من خمسة قرون، شهدت ازدهارًا في مجالات العلم، الفن، والهندسة المعمارية. لقد كانت الحضارة الإسلامية في الأندلس رافدًا رئيسيًا ساهم في بناء القاعدة التي تطورت عليها المدينة بعد استعادتها. يشهد على ذلك العديد من المعالم التاريخية، مثل أسوار المدينة وأبراج “سيرانو” التي ظلت قائمة كرموز لهذا التاريخ المشترك.
يعود هذا اليوم إلى أكثر من 700 عام، حين قاد الملك خايمي الأول جيشه لتحرير فالنسيا بعد حصار طويل. تمكن الجيش المسيحي من دخول المدينة في 9 أكتوبر 1238، وبهذا الحدث وُضع حجر الأساس لما يعرف اليوم بإقليم فالنسيا، الذي ظل يتطور عبر العصور. منذ ذلك الحين، أصبح هذا اليوم رمزًا لتلاحم المجتمع الفالنسي واعتزازه بتراثه الغني.
ومع أن الحكم الإسلامي انتهى في فالنسيا بهذا الحدث، فإن الثقافة الإسلامية لا تزال جزءًا من الهوية المعمارية والثقافية للمدينة، حيث يعترف المؤرخون بأن الحضارة الإسلامية تركت بصمة لا تُمحى على تاريخ فالنسيا وتطورها.
تُفتتح الاحتفالات بأجواء مفعمة بالحماس، حيث تضاء السماء بعروض الألعاب النارية مساء الثامن من أكتوبر، معلنة بداية الفعاليات. يشهد اليوم التالي تنظيم مواكب ملونة في شوارع المدينة، تتميز بدمج ثقافات متعددة تخلد ذكرى الحقب التاريخية المختلفة التي مرت بها فالنسيا. تتوج هذه الاحتفالات بمراسم وضع الزهور عند تمثال الملك خايمي الأول، في اعتراف بدوره المحوري في تأسيس هذا الإقليم.
إلى جانب الأهمية التاريخية، يتزامن يوم فالنسيا مع عيد سانت ديونيسيوس، الذي يعد بمثابة عيد للعشاق في فالنسيا. يقوم الأحباء بتبادل الهدايا التقليدية، المتمثلة في حلويات “المرزبان” الشهية، والتي تُلف بعناية في أوشحة حريرية أنيقة، كرمز للحب والاهتمام. يعتبر هذا التقليد تجسيدًا للعاطفة، حيث يسعى الفالنسيون إلى الاحتفال بالحب بنفس القدر الذي يحتفلون فيه بتاريخهم المجيد.
يتجاوز يوم فالنسيا كونه مجرد ذكرى سنوية، فهو يعزز الانتماء إلى الجذور العريقة ويجسد الهوية الثقافية المتأصلة في قلب المجتمع الفالنسي. تجمع هذه المناسبة بين الأجيال المختلفة في احتفالات تجمع بين الماضي والحاضر، حيث يستعيد الناس ذكرياتهم ويعيشون تفاصيل الفخر الجماعي.
… عبد القادر عقون

