“في غزة، لا يُقتل الأبرياء فقط، بل تُذبح المبادئ”
“محرز بويش”، أستاذ باحث، دكتور في الفلسفة السياسية بجامعة بجاية سيجيب على أسئلتنا بخصوص صمت المجتمع الدولي على “الإبادة الجماعية” واستمرار انتهاكات حقوق الأنسان التي يرتكبها الكيان الصهيوني في غزة
أجرى المقابلة : إيدير مهداوي
- سكان غزة يعيشون تحت قصف الكيان الصهيوني، ويغرقون في أزمة إنسانية ومجاعة غير مسبوقة، تبدو الدول الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا ودول غربية أخرى، “متواطئة”… ما هي القراءة التي تودون القيام بها في مواجهة هذا الصمت؟
محرز بويش: الوضع في غزة اليوم يجسد انهيارا متواصلا رهيبا جدا للضمير الإنساني، الشعب الفلسطيني بصفة عامة يعيش تحت حصار عسكري رهيب، وسكان غزة بالخصوص بأكملهم يعيشون تحت القصف المستمر من الجيش الإسرائيلي، ضحية لمجازر مروعة، وغارقون في مجاعة ممنهجة وأزمة إنسانية غير مسبوقة.
إن ما يحدث في قطاع غزة ليس مجرد مأساة إنسانية عابرة، بل هو أحد أكثر الفصول ظلمة في تاريخنا المعاصر.
بوصفي باحثا في الفلسفة، أجد نفسي أمام مشهد لا يمكن وصفه إلا بإبادة جماعية تمس ” الوجود الفعلي لكل من الشعب والأرض “، إبادة تمارس بتنظيم عسكري ممنهج منذ تقريبا سنتين، وتبلغ اليوم ذروتها تحت أنظار العالم. لكن ما هو أكثر فظاعة من المجازر نفسها، هو الصمت المتواطئ – سواء كان صمتا فعالا أو سلبيا-من قبل القوى الغربية الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، ألمانيا، إيطاليا وغيرها من الدول العظمى التي لطالما ادعت الدفاع عن حقوق الإنسان والكرامة الإنسانية. مع عجز الهيئات الدولية، بما فيها مجلس الأمن وجمعية الأمم المتحدة، عن وقف العدوان.
هذا الصمت ليس حيادا، بل هو موقف بحد ذاته، موقف يسهم في ترسيخ ثقافة الإفلات من العقاب، ويعبر عن فشل أخلاقي عميق، وانهيار للمنظومة القيمية التي بنيت عليها الحداثة الغربية بعد الحرب العالمية الثانية. لم تعد المسألة جيوسياسية أو دبلوماسية، بل تحولت إلى مأساة وجودية، إذ نرى القيم الأنطولوجية نفسها، التي تعرف معنى أن تكون إنسانا، تداس في وضح النهار.
وفي هذا السياق، نستحضر المقولة الفلسفية العميقة : ” الوجود الإنساني لا يقاس فقط بما يعيشه الفرد، بل بما يعترف به الآخرون من كرامته”. ومن دون أي ريب أو تشكيك، ما يحدث في غزة ليس إنكارا لحقوق، بل” نفيٌ للوجود ذاته “، وتجريد من شرطه الأساسي: الاعتراف الإنساني.
ففي غزة، لا يُقتل الأبرياء فقط، بل تُذبح المبادئ. الإنسانية برمتها تُستباح عندما نرى، في صمت دولي مروع، تدميرا ممنهجا لشعب يزيد تعداده عن مليوني إنسان.
أجل، ما يجري ليس حربا، بل سقوط أخلاقي مريع. والمجتمع الدولي، بصمته، لا يكتفي بعدم التدخل، بل يوفر الأرض الخصبة التي تنبت فيها الإبادة وتزدهر. إنه تخلي عالمي عن الالتزام الذي قطع بعد الحرب العالمية الثانية: ” ألا يتكرر ذلك أبدا “. للأسف، ما تعيشه فلسطين عموما، وغزة على وجه الخصوص، هو تجسيد حي لما يمكن تسميته دون تردد: عملية تجريد ممنهج من الإنسانية، وإبادة تدريجية لشعب بأكمله.
وبصفتنا مدافعين عن حقوق الإنسان، فإن واجبنا لا يقتصر على التعبير، بل على التسمية الصريحة: ما يحدث في غزة هو “جريمة ضد الإنسانية”، ” ابادة ضد شعب أعزل”، ” عقاب جماعي بالموت، التهجير أو المجاعة”، وهو تدمير متعمد لكل ما تبقى من أسس إنسانيتنا المشتركة. ولن يسجل التاريخ فقط أفعال الجلادين، بل أيضا صمت الشهود.
وعلى الرغم من الدعوات المتواصلة من المنظمات الإنسانية والدول الأعضاء في الأمم المتحدة، وأبرزها الجزائر، التي لا تزال تندد بالعدوان الصهيوني على سكان غزة، وتدعو إلى وقف فوري لإطلاق النار… فإن الكيان الصهيوني يواصل مذبحة الفلسطينيين…
م ب: الأمر المؤسف، هو أن العدوان العسكري الإسرائيلي على قطاع غزة، ما يزال قائما، مخلفا المزيد من الضحايا، والقتلى المدنيين، والمزيد من المشردين من أراضيهم ومنازلهم، وما يزال تدمير الأحياء والبيوت والعمارات والمستشفيات بالقصف قائما يوميا، و ما تزال سياسة التجويع قائمة. نعم، لا بد من قول ذلك بصوت عالٍ وواضح، بعيدا عن النقاشات والمصالح الإيديولوجية، وعن الخطاب السياسي الذي يتبناه البعض، إن ما يحدث في غزة يتجاوز مجرد مأساة إنسانية. نحن أمام “إبادة جماعية” و”تدمير منهجي للإنسان”: الأرواح، الأماكن، الرموز، كل شيء مستهدف، في إطار سياسة يتبعها الكيان الإسرائيلي تقوم على مبدأ “استهداف كل شيء”.
تتحدث العديد من المنظمات الإنسانية عن مقتل أكثر من 69,000 شخص، من بينهم حوالي 26,000 طفل. كما قُتل أكثر من 200 صحفي. وتم تهجير أكثر من 60٪ من سكان غزة قسرًا، وكثير منهم أكثر من مرة. كما تم تدمير نحو 75٪ من البنية التحتية في قطاع غزة، من مستشفيات ومدارس وشبكات مياه وكهرباء، ولم تسلم حتى منشآت وكالة الأونروا (وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى) من القصف، في واحدة من أعنف حملات التدمير التي شهدها القرن الحادي والعشرون.
هذه الهجمات، التي وصفتها العديد من المنظمات غير الحكومية بجرائم حرب، تُنفذها القوات الإسرائيلية تحت قيادة رئيس وزراء تلاحقه مذكرة توقيف دولية صادرة عن المحكمة الجنائية الدولية
كما أشرت في إجابتي السابقة، فإن ما نشهده اليوم من جرائم ترتكبها قوات الاحتلال الإسرائيلي ما كان ليحدث بهذا الشكل الفج لولا تواطؤ القوى الدولية الكبرى، وعجز المؤسسات الأممية، والدعم الصريح أو الضمني الذي توفره بعض الدول. هذا التواطؤ منح الكيان الإسرائيلي حرية مطلقة للتصرف دون أي اعتبار للقوانين الدولية أو المبادئ الإنسانية. بات يتدخل عسكريًا متى شاء، وأينما شاء، دون أن يواجه عواقب فعلية، مستفيدًا من ما يمكن تسميته بـ”حصانة عالمية غير قابلة للمساءلة”.
اليوم، الكيان الإسرائيلي يتصرف ككيان فوق القانون، وكـ”دولة-كيان” فوق المجتمع الدولي بأسره، في ظل عجزٍ واضح لمجلس الأمن الدولي، الذي فشل مرة تلو الأخرى في تبني قرارات توقف العدوان، ليس فقط على غزة، بل أيضًا على دول الجوار. هذا الفشل يؤكد أن المجتمع الدولي، منذ سنوات، لم ينجح في وضع خارطة طريق واضحة للسلام في الشرق الأوسط، كما أن الأمم المتحدة لا تزال عاجزة عن إطلاق مسار حقيقي لإنهاء الاحتلال، يقوم على مبدأ حل الدولتين وفق حدود عام 1967.
في هذا السياق، كانت الجزائر دائمًا، وبعيدًا عن أي شعارات ديماغوجية، صوتًا ثابتًا ونزيهًا في الدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني. ومنذ انتخابها كعضو غير دائم في مجلس الأمن، لم تتوقف عن إدانة الجرائم المرتكبة في غزة، ولعبت دورًا محوريًا في المطالبة بوقف فوري للعدوان، ورفض كل أشكال التدخلات العسكرية غير الشرعية التي ينفذها الاحتلال ضد المدنيين والدول المجاورة، إلى جانب دعم حق الفلسطينيين الكامل في تقرير المصير، والعمل دبلوماسيًا لحشد الاعتراف الدولي بدولة فلسطين.
لكن السؤال الجوهري يبقى: ماذا يمكن فعله في ظل تواطؤ القوى الكبرى، وتردد بعض الدول، وعجز البعض الآخر؟ حتى الاعترافات الرمزية التي أعلنتها بعض الدول بدولة فلسطين، تبقى غير كافية ما لم تُترجم إلى مواقف عملية ومُلزمة. هذا العجز الجماعي هو ما دفع الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، مؤخرًا، إلى الإدلاء بعبارة عميقة ودالة: ” يجب ألا نخاف أبدا من إسرائيل.”
- العديد من الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة عاجزة أم غير مبالية بخطورة الوضع في غزة.. ورغم نداءات الاستغاثة والمساعدة من السكان، هل هي متواطئة؟
م ب: نعم، من وجهة نظري، يمكننا أن نتساءل، بكل شرعية، عن شكل من أشكال التواطؤ، سواء كان مباشرا أو غير مباشر، للدول الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، إزاء خطورة الوضع في غزة منذ أكثر من عامين. فرغم النداءات المتكررة من الشعب الفلسطيني، ومنظمات المجتمع المدني، وعدد من الدول من الجنوب والشمال، والبرلمانيين، والمدافعين عن حقوق الإنسان، والجامعيين وغيرهم، فقد أثبتت القوى الغربية الكبرى أنها ليست فقط عاجزة، بل صامتة إلى حد كبير، بل ومتساهلة أحيانا.
لقد ذهبت بعض الدول الغربية إلى حد إضفاء الشرعية على القصف الذي تشنه “الكيان الإسرائيلي” على غزة، متذرعة بحق “الدفاع المشروع عن النفس” أو “الحق في الرد” على أحداث 7 أكتوبر 2023. لكن هذه التبريرات تبدو مجرد ذريعة لتغطية أفعال تقع في الواقع ضمن إطار العقاب الجماعي المفروض على الشعب الفلسطيني. وهي تُستخدم، بشكل ضمني أو علني، لدعم تنفيذ مشروع إسرائيلي قديم، يتمثل في إقامة “إسرائيل الكبرى”، وهو مشروع قائم على أيديولوجيا توسعية تشمل “نظرية التوسع الإقليمي” وسياسة “الترحيل التدريجي” للفلسطينيين.
هذا المشروع، الذي ظل لفترة طويلة نظريا، يحاول الكيان الإسرائيلي، من خلال الخطابات الأخيرة المتكررة لرئيس الوزراء المطلوب لدى محكمة الجنايات الدولية، بنيامين نتانياهوا، تحقيقه، كما تشهد بذلك بوضوح الوقائع على الأرض.
إن هذا الإضفاء الغربي للشرعية على أفعال الكيان الإسرائيلي، إلى جانب عجز مجلس الأمن الدولي، المشلول بسبب الفيتوهات الأمريكية، عن إصدار أي قرار لإنهاء الأعمال العدائية أو فرض وقف إطلاق النار، قد منح إسرائيل ما يشبه “فرصة تاريخية” لتوسيع تدخلها العسكري.
وفي هذا السياق، واصلت إسرائيل عملياتها ليس فقط في غزة، بل تجاوزت حدودها لتشن ضربات في إيران واليمن، من خلال قصف استهدف جماعة الحوثيين، وفي جنوب لبنان وسوريا حيث تتكثف تدخلاتها العسكرية، بل وصلت مؤخرًا إلى استهداف دولة قطر، التي تلعب دور الوسيط في المفاوضات.
لقد أتاحت هذه الحصانة المطلقة للكيان الإسرائيلي القيام باغتيالات خارج حدوده، وتعزيز سياساته التوسعية، خصوصًا في الضفة الغربية، كما كثف من سياسته الهادفة إلى تجويع غزة بشكل ممنهج، من خلال منع إدخال الغذاء والدواء والموارد الأساسية، مما فاقم الأزمة الإنسانية بشكل غير مسبوق.
وللأسف، فإن الصمت الدولي، ولا سيما الغربي، يمكن تفسيره على أنه نوع من “التغطية السياسية”، التي تسمح لإسرائيل بالتصرف بكل حرية ودون أي محاسبة.
ومن المهم اليوم التأكيد على أنه في غياب إدانات دولية حقيقية أو عقوبات فعالة، فإن هذا الوضع يجسد حالة من الإفلات التام من العقاب، ويعزز موقع إسرائيل كفاعل قادر على التصرف خارج القانون الدولي والمعايير الدبلوماسية، مما يزيد من حدة الأزمة في المنطقة، ويقوّض أي فرصة لتحقيق سلام شامل ودائم.
مع ذلك، وعلى الرغم من هذه الإبادة الجماعية التي تُرتكب في العلن منذ ما يقرب من عامين، فإن ما يثير الصدمة بالقدر نفسه، إن لم يكن أكثر، هو صمت القوى الغربية، بل وتواطؤها. فخلف خطاب دبلوماسي يُوصف زيفًا بـ “المتوازن”، تواصل هذه القوى دعم الكيان الإسرائيلي سياسيًا وعسكريًا ودبلوماسيًا، من خلال عرقلة القرارات في مجلس الأمن – كما حدث خلال الجلسة العاشرة بعد العشرة آلاف لمجلس الأمن، المنعقدة في 18 سبتمبر الماضي، حيث استخدمت الولايات المتحدة حق النقض (الفيتو) ضد قرار يدعو إلى وقف الإبادة في غزة – كما أنها تستمر في تزويده بالأسلحة، وتؤمن له الحماية من المساءلة والعقابة.
- في رأيكم، إلى ما يعود صمت المجتمع الدولي واستمرار عجز الأمم المتحدة عن وقف العدوان الإسرائيلي على غزة، رغم فظاعة الجرائم المرتكبة؟
م ب: على الرغم من أن الجمعية العامة الأخيرة للأمم المتحدة شهدت تطورًا ملحوظا في مسألة الاعتراف بدولة فلسطين، من خلال انضمام دول جديدة إلى قائمة المعترفين، مثل فرنسا، بريطانيا، أستراليا، والبرتغال وغيرها، وظهور خطابات قوية تندد بالعدوان الإسرائيلي على غرار خطاب الجزائر والعديد من الدول المستنكرة والمنددة بما يحدث في قطاع غزة، وظهور خطاب اكثر راديكالية على غرار خطاب الرئيس الكولومبي، إلأ أن صمت الكثير من الدول الغربية إزاء الانتهاكات اليومية التي يتعرض لها المدنيون في قطاع غزة لا يزال مثيرًا للقلق وغير مبرر.
يعود هذا الصمت، حسب اعتقادي، إلى ثلاثة أسباب أساسية مترابطة. أولا، أن هناك نفوذ جماعات ضغط قوية (لوبيات) داخل بعض العواصم الغربية، تمتلك تأثيرا كبيرا في المؤسسات الأمنية الاستخباراتية، والسياسية، والاقتصادية، والمالية، والإعلامية، ما يجعل قرارات هذه الدول خاضعة أحيانا لحسابات داخلية معقدة تتقدم فيها المصالح على المبادئ.
ثانيا، تغلب الاعتبارات الجيوسياسية والاقتصادية على المواقف المبدئية، حيث تفضل بعض الحكومات الحفاظ على تحالفاتها الاستراتيجية ومصالحها العسكرية والاقتصادية، ولو على حساب القانون الدولي وحقوق الإنسان.
ثالثا، تستند بعض الأطراف إلى وجود حركات مقاومة كحماس لتبرير صمتها، وتقديم الرواية الإسرائيلية على أنها “دفاع عن النفس”، متجاهلين أن المدنيين هم من يدفعون الثمن الأكبر في هذا الصراع، وأن الأوضاع في غزة وفلسطين تتجاوز بكثير أي تبرير أمني، لتصل إلى حد الانتهاك الممنهج لحقوق الإنسان، وخرق فاضح للقانون الإنساني الدولي.
لكن، من منظورٍ أخلاقي، نحن نعيش اليوم حالة فشلٍ كبرى في حماية الإنسان. ولأستعير عبارة الفيلسوف يشيل فوكو: الذي قال في كتابه “الكلمات والأشياء”: الإنسان اختراع حديث، ومن الممكن أن يُمحى، كما يُمحى وجه في الرمل عند حافة البحر. هذا الصمت الدولي ليس فقط غير أخلاقي، بل هو صمت خطير، لمحاولة محو الإنسان الفلسطيني.
نعم، في رأيي، هذا الصمت فعل خطير، لأنه يُضفي الشرعية على ما لا يُمكن قبوله، ويُطبع مع “نزع الإنسانية”، ويمهّد الطريق لانتهاك جميع القيم والقوانين والأعراف الدولية. إنه يُلغي المبادئ الأساسية لحقوق الإنسان، ويقوّض المؤسسات التي من المفترض أن تدافع عنها. وباختصار شديد: إنه يهيئ الظروف الجوهرية لظهور فوضى عالمية مدمّرة.
- كيف تقيمون موقف الدول العربية والإسلامية، خصوصًا تلك التي طبّعت علاقاتها مع إسرائيل، في ظل العدوان المستمر على غزة وتوسّعه إلى دول عربية وإسلامية أخرى؟
م ب: بكل صراحة، يمكن القول إن موقف غالبية الدول العربية والإسلامية، وخصوصًا تلك التي طبّعت علاقاتها مع الكيان الإسرائيلي، يعاني من عجز حاد وتناقض واضح. فرغم أن هذه الدول كانت قد تبنت مبدأ اتفاق 2002 “الأرض مقابل السلام” كأساس للتطبيع، إلا أنها اليوم تشاهد بنفسها انهيار هذا الاتفاق، وجل الاتفاقيات السابقة، وسط ممارسات إسرائيلية لا تعترف بأي التزام، لا سياسي ولا قانوني.
الكيان الإسرائيلي لا يكتفي اليوم بالعدوان على غزة فقط، بل يوسع من عملياته العسكرية التي لا يمكن تسميتها سوى ” بإرهاب دولة ” لتطال دولا أخرى، منها لبنان، وسوريا، واليمن، بل وحتى قطر التي تلعب دورا وسطيا في المفاوضات. ومع ذلك، للأسف، ما زال الرد العربي والإسلامي محصورا بتكرار الخطاب التقليدي: بيانات تنديد، وشجب، من دون أي خطوات عملية.
الجميع كان ينتظر الكثير من القرارات الجادة، من القمة العربية‑ الإسلامية الاستثنائية الطارئة التي انعقدت في الدوحة يوم 15 سبتمبر 2025، استجابة للغارة الإسرائيلية على قطر. القمة التي انعقدت قبل انعقاد جمعية الأمم المتحدة، أجل، الكثير كان ينتظر من هذه الدول، على الأقل، سحب سفرائها من تل أبيب، أو طرد السفراء الإسرائيليين، أو قطع العلاقات الاقتصادية والأمنية، أو حتى الضغط الجماعي عبر مؤسسات إقليمية ودولية. لكن ما يحدث هو إعادة إنتاج نفس الخطاب التقليدي، دون إرادة سياسية واضحة للتصعيد أو الردع.
والأخطر من ذلك، أن هذا الصمت أو التردد يشجع الكيان الإسرائيلي على التمادي في سياساته العدوانية، وعلى التوسع في جرائمه، وآخرها تهديد أسطول السفن المتجهة نحو غزة. هذا تطور خطير يمس الأمن القومي لكل الدول، ويكشف أن السكوت لم يعد خيارا أخلاقيا، بل صار مشاركة سلبية في استمرار العدوان العسكري.
من هنا، فإن المطلوب اليوم ليس التنديد فقط، بل تغيير جذري في منهجية التعامل مع هذا الكيان، ووضع خطة سياسية جماعية فعالة، تفرض وقف العدوان وتعيد الاعتبار للحقوق الفلسطينية والعربية، وتحمي كرامة الشعوب وأمنها وحتى وجودها.
- في 22 أغسطس 2025، تم إعلان حالة المجاعة في غزة، وترتفع أصوات المواطنين للمطالبة بردود فعل عاجلة وملموسة لتخفيف معاناة سكان غزة… هل يمكن أن نتحدث اليوم عن كارثة إنسانية في المنطقة؟
م ب: من الواضح أن الوضع في غزة يشكل كارثة إنسانية كبرى. وهذا ما جاء في العديد من التقارير، على غرار ما جاء في التقرير الأممي للمقررة الخاصة المعنية بحقوق الإنسان في الأرض الفلسطينية المحتلة، فرانشيسكا ألبانيز، الذي جاء بعنوان “تشريح إبادة جماعية”، أكدت فيه وجود أسس معقولة للاعتقاد بأن إسرائيل ترتكب إبادة جماعية في غزة، من خلال القتل الجماعي، التدمير المنهجي للبنى التحتية، وفرض ظروف معيشية تؤدي إلى الفناء الجسدي للسكان.
شخصيا، لا أعتقد أن المجاعة قد استُخدمت كسلاح حرب بشكل منهجي ضد سكان معزولين، كما يحدث اليوم في غزة، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. إن هذه المجاعة أمر غير مقبول على الإطلاق.
بالإضافة الى القصف العسكري اليومي الذي يعيشه سكان قطاع غزة، فإن إعلان المجاعة رسميا من قبل تصنيف المرحلة المتكاملة للأمن الغذائي (IPC) يبرز الحاجة الماسة والملحة إلى توفير الغذاء والرعاية الصحية والمساعدات الطبية.
وفي مواجهة هذه المأساة، تقع على عاتق المجتمع الدولي مسؤولية أخلاقية وسياسية للتحرك الفوري، من خلال ضمان وصول المساعدات الإنسانية دون أي عوائق، والعمل من أجل وقف إطلاق نار دائم لحماية المدنيين الذين يعانون من ويلات غير مسبوقة.
يكفي اليوم أن ننظر إلى الصور والفيديوهات القادمة من غزة لندرك حجم المعاناة؛ نرى فيها السكان، بمن فيهم الأطفال، يموتون قصف أ جوعا أو يخاطرون بحياتهم في سبيل البحث عن الطعام، تحت وابل القصف الإسرائيلي. إنها وضعية مأساوية لا تحتمل، وتتطلب ردًا عاجلا وحاسمًا من المجتمع الدولي.
كلمة ختامية
م ب: ما يؤلمني بشدة اليوم، بصفتي باحثًا أكاديميا مهتم بقضايا حقوق الإنسان، هو تلك القدرة التي أصبحت تملكها بعض الدول وبعض الشخصيات السياسية والفكرية والإعلامية على إضفاء الشرعية على ما لا يمكن قبوله: من إبادة جماعية، وقصف عشوائي، وجرائم حرب، وسياسات تجويع وترحيل قسري. في غزة، هناك العشرات من القتلى والمئات من الجرحى والمرحلين كل يوم.
إن هذا التطبيع المؤلم مع الموت، وهذه الطريقة في نزع إنسانية الإنسان وإنكار جوهره، هي أمور تهزّ ضميرنا الجماعي.
وما يقلقني أكثر، هو أن صمت المجتمع الدولي يفتح «ثغرة تاريخية خطيرة» قد تؤدي إلى الطعن في شرعية الهيئات الدولية المفترض بها أن تحفظ السلم والأمن العالميين، كما أنه يفتح «بابًا مميتًا» لهدم الأسس نفسها التي يقوم عليها القانون الدولي والاتفاقيات المتعلقة بحماية حقوق الإنسان.
إن الرأي العام الدولي اليوم يقف أمام منعطف تاريخي: إما أن يدين الإبادة الجماعية، ويُعيد المعنى الحقيقي للإنسانية، وإما أن يستمر في القبول بـتطبيع الحروب، والإبادات، وجميع الانتهاكات ضد الشعوب وحقوق الإنسان.
من واجب الأصوات الحرة في العالم، سواء من الشعوب أو منظمات المجتمع المدني أو النخب التقدمية والحقوقية…إلخ مواصل الدعوة إلى إنهاء العدوان ورفع الحصار، وتشديد الضغط السياسي الحقيقي لفرض احترام القانون، ووضع حدا لسياسة الكيل بمكيالين التي باتت تهدد مصداقية النظام الدولي برمته. وتجسيد السلام في منطقة الشرق الأوسط التي أصبحت اليوم بلقان التاريخ المعاصر الراهن الذي قد ينفجر ويفجر العالم معه، إن لم تكن هناك إرادة عالمية لردع غطرسة الكيان الإسرائيلي، والتعاون الدولي لقيام الدولة الفلسطينية وفق حدود 1967 وعاصمتها القدس.





